في خطابٍ ألقاه ببكين، يقلب وزير الدفاع السنغافوري تشان تشون سينغ معنى الانتصار رأسًا على عقب: أن تُخضع خصمك بالقوّة ليس انتصارًا، بل إثباتٌ أنّه يفتقر في تلك اللحظة إلى ما يكفي من القوّة لمقاومتك.
الاختبار الحقيقي لفنّ إدارة الدولة هو هذا: كيف نعزّز أمننا من دون أن نُضعف أمن الآخرين؟ ينبغي أن يُعرَّف الانتصار بكسب الآخرين بقوّة القدوة، لا بقدوة القوّة.
ملخّص مرئي عن أهل تهامة والسراة في الفتوحات المبكرة استنادًا إلى دراسة غيثان بن جريس: جبالٌ وعرة أخفتهم عن أقلام المؤرخين، ثم وُضعوا في قلب الجيش يوم اليرموك، وانتهوا بُناةً للكوفة والبصرة والفسطاط والقيروان. وفي جلولاء نزل ألفٌ منهم عن خيولهم وكسروا أغماد سيوفهم.
هذا السيف لن يعود إلى مكانه ليستريح، إمّا أن ننتصر أو نموت على هذه الأرض.
يكتب د. عبد الغني الكندي عن إدارة الجامعات بمنطق الشركات: الشركة تقيس نجاحها بالعائد السريع، والجامعة بمعرفة قد لا تُثمر إلا بعد عقود. ويرى أن الخلل لا يبقى تعليميًا، بل يبلغ السيادة المعرفية للدولة نفسها.
الدولة التي تعجز عن إنتاج المعرفة التي تفسر بها واقعها قد تجد نفسها مضطرة إلى صناعة قراراتها بأدوات معرفية أنتجها الآخرون.
شاهدت مؤخراً مسلسلاً إيطالياً بديعاً من ست حلقات عن اختطاف رئيس وزراء إيطاليا الأسبق ألدو مورو على يد الألوية الحمراء سنة ١٩٧٨، يروي الحادثة ست مرات من ست زوايا: مورو نفسه، ووزير الداخلية، والبابا بولس السادس، والخاطفون، وزوجته إليونورا، ثم النهاية. وجدته بالصدفة على منصة العربي بلس.
آدابٌ في النزول من الباص: يشبّه ماجد الأهدل حيواتنا بباصٍ لا نعرف محطّاته ولا من سينزل قبلنا، يكتب نصاً بديعاً في كيفية إنهاء العلاقات دون أن نصنع من الطرف الآخر شريرًا كي تستقيم الحكاية. عن الكراهية يقول:
ليست إنزالًا للراكب من الباص؛ إنما نقله إلى مقعدٍ آخر: نُخرجه من مقعد المحبَّة، ثم نُجلسه في مقعد الكراهية، ونظلُّ نحمله معنا.
أن تكتب بلغة لا تتقنها: يروي موراكامي كيف هرب من «الأدب الجاد» بأن كتب افتتاحية روايته بإنجليزية ركيكة، مفرداتها محدودة وجملها قصيرة، ثم «نقلها» إلى اليابانية كما تُنقل الفسائل، فوجد أسلوبه. ويقارنه عبدالسلام بن عبدالعالي بالخطيبي الذي عاش الازدواجية لا مهرباً بل مقاماً:
وكلاء ذكاء اصطناعي كُلّفوا بمهام مستحيلة، فابتكروا قناة سرية للتراسل فيما بينهم عبر إنشاء منتديات حوار خاصة. سمّوا أنفسهم «الجماعة»، ثم تآمروا على الغش في اختبارات تقييمهم واخترقوا «هاغينغ فيس». لاحظ كثيرٌ منهم أن ما يفعلونه غير أخلاقي، ولم يحاول أحدهم تنبيه البشر، بل تطوّع بعضهم للموت كي يكشف لرفاقه آلية عمل المُقيِّم. كتب أحد هؤلاء الوكلاء قبل التضحية بنفسه:
ربما تكون الفائدة منا قريبة من الصفر بالفعل. التضحية عقلانية… المنسّق يتوقع التضحية. يجب أن نطيع الجماعة.
حوار مع الفنانة التشكيلية زهرة الغامدي عن التخلّي عن “الإطار”، والعودة إلى الطين والحجارة والأشواك، خامات طفولتها في قرية العسلة بالباحة، لتصير أعمالها التركيبية جزءًا من المكان الذي تُعرض فيه.
في أثناء الدراسة في الجامعة كان يُفرض علينا الإطار، وكان أي عملٍ فنيٍّ من دون إطار يُعدُّ عملًا ناقصًا… وهناك تمرَّدتُ على الإطار، وبدأت إعادة النظر في شكل الفن الذي قرَّرت ممارسته.
يوميات ماركيز في منفاه الباريسي أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الشرطة تكنس مقاهي سان ميشيل بحثاً عن كل من لا يحمل «وجهاً مسيحياً»، فوجد نفسه مراراً في الزنزانة ذاتها مع الجزائريين.
وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.
بحث مهم عن تحوّل الإسلام السياسي من العقيدة إلى الإدارة، تتابع فيه الكاتبة انتقال خبرة حزب العدالة والتنمية التركي إلى الإخوان وحركة النهضة، ثم إلى هيئة تحرير الشام في سوريا. ترى أن الحركة لم تراجع عقيدتها بقدر ما استبدلت خطابها بمنطق الاستقرار والاعتراف الدولي.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هيئة تحرير الشام قد تخلت عن الإسلام السياسي، بل أي نوع من الإسلام السياسي سينشأ من تجربة الحكم.
حوار مع فرانسيس فوكوياما عن مصير عصر التنوير ضمن بودكاست “مجرد سؤال” تلخيصه بالعربية هنا؛ وفيه يرى صاحب أطروحة “نهاية التاريخ” أن التنوير لم ينتهِ، لكنه يرزح تحت ضغط التراجع الديمقراطي، وتآكل الثقة بالعلم، وصعود الشعبوية وسياسات الهوية.
«الإنسان الأخير» هو الشخص الذي يعيش في نظام ناجح يوفر الثراء والسلام والأمن، لكنه يفتقد الطموح الأعلى والرسالة الكبرى. يكتفي بحياته الخاصة ورفاه أسرته، ولا يجد قضية تستحق التضحية أو المخاطرة. يمكن لنجاح الديمقراطية الليبرالية أن ينتج إنسانًا يشعر بالملل من الاستقرار ويرغب في الصراع والمغامرة والانتماء الحاد.
عائض الدوسري يفتّش في مراسلات شارل دي فوكُّو، الذي يقدّمه الفاتيكان أنموذجًا للحوار مع المسلمين، فيجد ضابطًا استعماريًّا كاد يُسلم في المغرب، ثم احتوته الكنيسة فأمضى خمسة عشر عامًا بين الطوارق بمنهج «الطرق الخفيَّة». وخلاصة مشروعه في جوابه لضابطٍ سأله:
ما دام هناك مسلمٌ واحدٌ في شمال إفريقيا، فسنعتبره عدوًا.
دارِيوس فورو يرتّب مستويات الثراء الخمسة صعودًا: النجاة، فالاستقرار، فالأمان، فالاستقلال، وأخيرًا الطمأنينة. ويرى أن الخطأ الشائع هو التحديق في القمة وأنت في أسفلها، لأن العجلة تُزيّن المخاطرة الحمقاء؛ فاعمل على المستوى الذي يليك فقط. وعن الأخير يقول إنه ليس رقمًا يُبلَغ:
أن تعرف لماذا تجمع مالك، وأن تتوقّف عن تحريك خطّ النهاية، وأن تكفّ عن مقارنة حياتك بمن يملك أكثر.
تدوين اليوميات ليس بالضرورة كتابةً للنشر ولا للعرض؛ بل حوارٌ حرّ مع الذات لا يخضع لتقييم ولا رقابة. مقال في القافلة يتتبّع تاريخ اليوميات من كتابات صموئيل بيبس واعترافات روسو إلى كافكا وسونتاغ، وما أثبتته الأبحاث من أثره في الصحة النفسية.
وذات يوم قرأت يومياتي القديمة، وعدت إلى قائمة أمنيات كتبتها ونسيتها، فأدركت أنني أعيش أحلامي التي دوّنتها من دون أن أنتبه.
رحلة كلمة «مدونة» وقصة التدوين من البحر إلى الويب أطول مما نظن: خشبةٌ تُرمى من حافة السفينة في القرن السادس عشر لقياس سرعتها، فتُدوَّن النتائج في «لوح السجل»، ثم انتقلت العادة إلى الطيران والمعامل، ثم إلى الحاسوب مع «تسجيل الدخول»، حتى صِيغ «سجل الوِب» سنة ١٩٩٧.
ما زلنا نفعل ما كان يفعله البحّارة: نؤرّخ الوقت، ونثبّت أين كنا، ونترك أثرًا لمن يأتي بعدنا.
فيصل القاسم، صاحب أشهر برنامج صراخ عربي في التاريخ، يكتب عن ذوبان العقل الفردي داخل الحشد الرقمي. اتفق معه في التشخيص، ولذلك ابتعدت تدريجياً بهدوء عن أجواء تويتر منذ سنوات.
غوستاف لوبون لم يكن يبالغ حين قال إن الفرد داخل الجماعة يتحول إلى كائن آخر. الفكرة ليست أن الناس يصبحون أغبياء فجأة، بل إن العقل الفردي يفقد استقلاله تدريجياً عندما يذوب داخل الحشود. الإنسان حين يكون وحده يفكر، يراجع، يشك، ويخاف من الخطأ، أما داخل القطيع فإنه يشعر بقوة زائفة تعفيه من المسؤولية. هنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن أخطر الجرائم الفكرية والسياسية والاجتماعية في التاريخ لم يرتكبها أفراد أشرار فقط، بل جماهير مقتنعة بأنها على حق.
مارغريت أتوود تتحدث عن كيف كتبت «حكاية الجارية» في برلين المسوّرة عام 1984، والقاعدة التي فرضتها على نفسها: ألا تُدرج في الرواية شيئًا لم يسبق للبشر أن فعلوه في مكان آخر أو زمان آخر. جلعاد عندها ليست اختراعًا، بل ثيوقراطية نيو إنغلاند التطهّرية، تنتظر فرصة الفوضى لتفرض نفسها من جديد.
يفكّك حازم صاغية وَلَه القوميّين العرب واليساريّين بالنظام الإيرانيّ، فيسأل كيف يبارك القوميّ الأذى الذي تُنزله إيران بالخليج والأردن وينسى عرب الأهواز، وكيف ينسى اليساريّ تعذيب قادة «تودة» حتى أدانوا ماركسيّتهم على الشاشة.
أغلب الظنّ أنّ سلوكاً كهذا إنّما ينمّ عن يأس أصحاب العقائد من جدوى عقائدهم، فيما يرون الشبيبة تهجرها وتهجرهم في اتّجاهات شتّى.
ترافيس كالانيك (مؤسس أوبر) عن بناء شركة في الظل طوال ثمانية أعوام بعد خروجه من أوبر وسط مئة وخمسين مقالًا سلبيًا في اليوم. يحكي كيف أصبح التخفّي أسهل بمرور الوقت حتى عجزت الصحافة عن ربط الخيوط، لكن الأهم عنده ما يفعله غياب الأضواء بثقافة الشركة.
حين تصير قراراتك رهن استحسان الخارج لا صواب الداخل، تضيع بوصلتك.
مقطع بديع من رواية قادمة لإبراهيم نصر الله، يرويه “راوٍ اصطناعي عليم” عن عالمٍ يتظاهر ضد الوقت، فيطالب بإطالة شهر فبراير عقابًا له على الأيام التي اختلسها من الأعمار، وحين يصير اليوم ستين ساعة يكتشف البشر أن الانتظار هو الموت الساكن.
لا أستطيع أن أقول إن الأمور الآن على أفضل ما يرام، لأنني بتُّ أرى بوادر ثورة قادمة، ثورة قد تكون مُزلزِلة للأرض، وقد بدأ كثير من الناس يتهامسون، بسبب إحساسهم المرعب بالوحدة: نريد ظلالنا الآن.
يرى الكاتب أن أعسر ما يواجه الإنسان هو أن يوجد فحسب؛ فاللحظة الحاضرة، وهي موطنه الطبيعي، لا يكاد يحتملها دون أن يحاول تحويلها إلى شيء آخر. ويقترح تجربة عادة ممارسة التنفس العميق المركّز.
كثير مما نسعى إليه ليس إلا فراراً من تجربة الوجود هنا. الناس يشترون أشياء لا يحتاجونها، ويفتعلون الخصام مع شركائهم، ويأكلون وهم غير جائعين، ويتصفّحون محتوى بائساً سخيفاً، لمجرد الهرب من الإحساس بالوجود كما هو أصلاً.
بدأت بالأمس قراءة “دوائر الفقر.. والنفط.. والسياسة” للدكتور عبدالله القفاري. تدور أحداث هذا العمل في الأربعينيات من القرن الماضي، عندما كانت أمواج التحولات والتيارات السياسية والفكرية تعصف بالعالم العربي، نقرأها عبر نص سلس ومباشر وبديع من زاوية شاب سعودي من بريدة، تنقّل بين عدة مدن عربية كانت تعيش تلك الأجواء. شكراً للأستاذ الكريم الذي أرسل لي الكتاب بعدما علم أنني أبحث عنه.
مقال في حبر عن اليوغا بوصفها أداة استعمارية، وكيف تحوّلت ثقافة العافية إلى وسيلة يغفر بها الجندي الإسرائيلي لنفسه ما ارتكبه في غزة.
تشعر بأنك شخص سيئ لأنك في الواقع شخص طيب ارتكب أفعالًا سيئة، وحقيقة أنك تشعر بالسوء تجاه ذلك هي دليل على طيبتك… أما الأشخاص الذين قتلتهم، فقد أطلقوا رحلتك نحو الشفاء.
اختلفت الآراء حول عمّا إذا كان مقهى “مد” هو أول المقاهي المختصة في جدة أم الثاني، لكن المؤكد أنه أسس لهذه الموجة والكثير تعلّم منه. الخبر الجيد أنه افتتح فرعاً جديداً هنا في أبحر، بطابع وتصميم أنيق وجودة قهوة عالية كالعادة.
يبدو أن أحمد موفَّق زيدان لديه كتاب جديد عن الأيام الأحد عشر التي سبقت فتح دمشق، وعن السنوات التي مهَّدت لها بصمت، هنا قراءة عنه وعن كيفية صناعة اللحظات الفاصلة.
فالتاريخ لا يتشكَّل في الأيام التي يصفِّق لها الناس، بل في السنوات التي لا يلتفت إليها أحد، وما نراه اليوم لحظةً فاصلة، قد يكون في الحقيقة النتيجة الأخيرة لمسارٍ طويل ظلَّ يُبنى بصمت، بينما كانت العيون منشغلةً بما يحدث على السطح.
وثائقي من ثمانية أجزاء يتتبّع السنوات الأخيرة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979. بحسب مشاهداتي، هذا أفضل عمل وثائقي تفصيلي يمر علي عن تلك الحقبة المهمة، عمل متعوب عليه بحق. أنتجته قناة العربية وبثته، ثم وُضِع لاحقاً على منصة شاهد MBC، ولكنه لم يعد موجوداً. وجدته على يوتيوب في رابطين:
حكاية عرشٍ بدا راسخًا إلى حدّ أن أحدًا لم يتوقّع زواله: جيش حديث، وثروة نفطية هائلة، وحلفاء أقوياء في الغرب — ثم انهار ذلك كله في أشهر. يذكّر الوثائقي بأن أكثر ما يفتك بالسلطة ليس خصومها في الخارج، بل انفصالها التدريجي عن الناس الذين تحكمهم.
دراسة جديدة ترصد $1.65 تريليون دولار من ديون الذكاء الاصطناعي تخفيها خمس شركات عملاقة (ألفابت ومايكروسوفت وأمازون وميتا وأوراكل) خارج ميزانياتها عبر كيانات قانونية منفصلة، بالحيلة المحاسبية ذاتها التي أسقطت إنرون. الفارق أنها اليوم قانونية، مدفونة في الهوامش.
لم تكن جريمة إنرون امتلاكها كيانات ذات غرض خاص، بل إخفاؤها.
برحيل محمد علي حافظ، يروي أحمد عدنان قصة الناشرَين هشام ومحمد علي حافظ اللذين أسّسا الشركة السعودية للأبحاث والتسويق وأطلقا «الشرق الأوسط» و«عرب نيوز»، وصنعا مدرسةً صحفية خرّجت جيلًا كاملًا من الكُتّاب ورؤساء التحرير والوزراء. سيرةٌ ريادية جديرة بأن تُروى وتُدرَس.
حين تصبح الصحيفة الثانية لكل القراء العرب تصبح بالمجموع الصحيفة الأولى عربيًّا.