أطلق العرب مصطلح “الشقيقة” على الصداع النصفي، وقد تحدث عنه الرازي وابن سينا والطبري وآخرون، وفسروه “بانصباب الأخلاط أو الرياح في شرايين جانب واحد من الرأس دون الآخر”.
وللبخاري في صحيحه باب عنوانه «باب: الحجامة من الشقيقة والصداع»، وروى فيه أن الحبيب عليه أفضل الصلاة والتسليم احتجم في رأسه «من شقيقة كانت به».
تلازمني الشقيقة منذ المرحلة المتوسطة، وتحل عليّ دائماً بلا موعد، وإن كنت قد أصبحت خبيراً باحتمالية قدومها قبل سويعات؛ حيث أستشعر بدايات غثيان وعدم رغبة في تناول شيء، مع الانزعاج التدريجي من الصوت والأضواء، فتهمس لي نفسي لحظتها: انتبه، زائرتك قادمة.
أتلمّس بحذر عروق الجانب الأيمن من رأسي، بمحاذاة عيني وخلف أذني، فإن وجدتها في بدايات تورّمها، فهذا يعني أن وقع المطرقة سيبدأ بين لحظة وأخرى، وحينها تبدأ ملحمة صراع تستمر لساعات، وتصل إلى نصف يوم أحياناً.
أول ما يبدأ طرق الشقيقة، أتجه إلى المنزل إن كنت خارجه، وأطلب البنادول ورباط الرأس. تأتي زوجتي بالحبوب و"شيلتها"، وتبدأ روتينها المعتاد بعصب رأسي بشدة، مع وضع عقدة الربط فوق مكان نبض العروق. ومن هذه اللحظة وحتى انقشاعها، يكون حديثي بالإشارة؛ لأن تحريك اللسان والفك يزيد من وقع الطرق.
أتجه إلى كهفي المكتبي، وأتمدد على الأريكة، أضع كمامة سوداء على عيني، أطفئ الأنوار وأغلق الباب عن أي صوت وإن كان خفيفاً، أملاً في أن يغلبني النوم أو ينقشع الصداع تدريجياً بلطف الله.
تغزوني الشقيقة بمعدل مرتين إلى أربع مرات كل شهر، وأضطر بين كل مرتين إلى التوجه إلى قسم الطوارئ في مستشفى خاص قريب من المنزل. أطلب منهم تنويمي مع إعطائي “إبرة فولتارين”، وأحياناً يقترح عليّ الطبيب إيصال “مغذية” في ذراعي. أطلب منهم لحافاً ثقيلاً أضعه على عيني وأنا ملقىً على السرير؛ لأنه يصعب عليهم إطفاء أنوار غرفة الطوارئ.
يتركونني نائماً على راحتي إذا لم يكن لديهم زحمة مرضى، وأحياناً يوقظونني بلطف، سائلين عما إذا كان الوضع على ما يرام.
عندما تبدأ الدكّاكة في حفر الجانب الأيمن من رأسي، يبدو الألم وكأنني أتذوقه لأول مرة. يترافق معه هطول الأفكار والذكريات، وأول شيء أشعر به هو التعب الشديد، والتنفس المركّز البطيء، والإحساس بالقرف من الحياة ككل. أسترجع ما مررت به مؤخراً، متسائلاً عما إذا كنت قد واجهت خلال الفترة الماضية ضغطاً نفسياً معيناً يبرر انفجار الصداع مجدداً فجأة؟
أراقب كل طرقة ألم بدقة، أقيس مدى قوة وقعها مقارنة بما قبلها من طرقات، أحاول عبثاً معرفة ما إذا كنت في بداية ملحمة طويلة من الألم، أم وصلت منتصفها، أم في طريق النزول. أشعر مع كل نبضة عرق يكاد يتفجر بتناقص رغبتي في الحياة، أستشعر تفاهتي وضعفي، وأتذكر أن الموت رحمة من كل هذا الوجع. تأخذني الأفكار إلى محاسبة نفسي: هل أنا مقصر في شيء؟ هل ظلمت أو افتريت أو تجاوزت في حق أحد؟ ودائماً ما أخلص إلى نتيجة مريحة، فأعزّي نفسي بها، ويبقى لدي سؤال واحد: متى سيتوقف طرق الحديد هذا يا رب!
ضغوط الحياة لا تنتهي، ومعها أرى أن انفجار الشقيقة دورياً هو بمثابة “التنسيم” والتفريغ للاحتقان النفسي الداخلي، الذي يتراكم منذ آخر زيارة لها حتى هذه الزيارة الجديدة. أحب تفسيرها بأنها بمثابة صيانة دورية وتصفير للعداد.
أنا هادئ بطبعي، ولست من الذين ينفجرون غضباً في وجوه الناس، وأعتز بانضباطي ورزانتي، وفي الوقت نفسه لا أحقد ولا أحتقن بمشاعر سلبية تجاه الآخرين؛ لأنني أعلم أن الحنق يأكل صدر صاحبه، ودائماً أفضل مواجهة الناس والمواقف على الهروب منها.
ولكن استشعار المسؤولية وكثرة التفكير بشكل عام، خاصةً إذا ترافقت مع أحداث ساخنة ومزعجة خارج سيطرة الشخص، يُراكم في داخلي ما يكدّرها مع الوقت، ولا أستبعد أن يكون للضغط النفسي علاقة بانفجار الشقيقة بين أسبوع وآخر.
أفضل سيناريو يحصل لي هو عندما أنام سريعاً بعد عصب رأسي وبداية دك المطرقة، يتنزل عليّ لطف رباني فأنام فجأة نومةً طويلةً، ثم أستيقظ فأجد الألم قد زال.
تبدو لي الحياة لحظتها جميلةً بشكل يصعب وصفه، يتملكني شعور بالنجاة من مصيبة كونية، أستشعر رغبة في الخروج إلى الشارع وإنزال الناس من سياراتهم، والسلام عليهم وتقبيلهم، وأن أقول لهم: لا بأس، لا تهتموا، خففوا على أنفسكم، كل شيء سيكون على ما يرام!
من نافل القول أنني اجتهدت في معرفة علّة الشقيقة وما يسببها، ولم أصل مع الأطباء إلى شيء معين. أعتبرها أحد امتحانات الحياة، وهي امتحانٌ لمشكلة صحية تافهة مقارنة مع ما يواجهه غيري من مشاكل صحية، وكل ما يقدّره الله خير. تصالحت معها وأعتبرها رفيقتي باقي العمر حتى يأخذ الله أمانته.
أغلب محترفي الشقيقة استسلموا، ولم يعودوا يبحثون عن حلول؛ لأنهم جربوا كل شيء، حتى وصلوا لمرحلة التصالح معها. تزعجنا النصائح عندما تأتينا ممن هو غير محترف فيها، خاصةً إذا قال لنا إن ابن خالته كان مصاباً بها، وفعل كذا وكذا، والآن تشافى منها.
عندما يبادر شخص بتوجيه نصيحة لي حول علاج الشقيقة، أتذكر ماري أنطوانيت عندما قالوا لها إن الناس يموتون جوعاً ولا يجدون خبزاً، فأجابت: “إذا لم يجدوا الخبز فليأكلوا البسكويت”.
طوبى لكم يا أشقاء الشقيقة..