أزعم أنني أعرف جميع الذكريات التي ما زال بمقدور والدتي استذكارها وسردها كاملةً.
كلما جلست معها لتناول القهوة، أجتهد في نبش ذاكرتها لجعلها تتكلم؛ أطرح سؤالاً ما، أو أذكر موضوعاً معيناً أعرف أنه سيستحثها على التفاعل، فتنطلق في الحديث.
ورغم أنني أعرف جميع قصصها بالتفصيل، وسمعتها منها مرات لا يمكن حصرها، إلا أن أمي تسردها في كل مرة معتقدةً أنها المرة الأولى التي تشاركني إياها.
وفي كل مرة، أحرص على التفاعل معها بما يوحي لها بأنني متفاجئ ومشدود ومنسجم، وهذا الجو في ظني يشعرها بالمتعة والانسجام، وهو المطلوب.
وإحدى تلك القصص المتجذرة بعمق في ذاكرة والدتي هي قصة وفاة والدها.
تُوفّي جدي ووالدتي صغيرة جداً في السن، لا تتذكر ملامحه، ولا تختزن ذاكرتها -وهي في بداية التسعينيات من عمرها- أي شيءٍ ذي علاقة به إلا قصة وفاته، رحمه الله.
تقول أمي إنه في أحد الأيام كان جدي نازلاً من الجبل، عائداً إلى قريتنا في غامد يسوق خرافه التي كان يرعاها.
وكأي راعٍ، كان جدي يسير صادحًا وشاديًا بما لديه من القصائد والألحان، متسلّياً في طريقه مع خرافه.
ومن يعرف طبيعة القرى الجبلية، يعرف أن غناء الراعي يدوّي صداه بين الجبال والأودية.
وفي ذلك اليوم، تصادف نزول جدي من الجبل مع وجود زائر غريب، واقفاً في الوادي مع أهل القرية.
استوقفت نبرة غناء جدي ذلك الزائر، فسألهم عن صاحب الصوت الشجي المدوي، فأجابوه بأن ذلك “شايل الهم”.
كان ذلك لقب جدي الذي أطلقه عليه أهل القرية، وتقول أمي إنهم اختاروه له بسبب عذوبة وشجن صوته الحزين عند الغناء.
في طريقه مع غنمه، قابل جدي أهل القرية وبينهم ذلك الغريب، حيّاهم وربما توقف قليلاً للحديث معهم، ثم غادرهم إلى منزله.
إلا أنه قبل أن يفارقهم الزائر، قال لهم -كما تقول أمي-: “الحقوا صاحبكم، فقد أصابته”.
لحق بعض الجماعة بجدي، فوجدوه طريحاً في الطريق متوجعاً، مرض لأيام ثم تُوفّي.
تنهي أمي قصتها في كل مرة بتأكيدها أن صوت جدي الشجي هو ما قتله.
يتفنن أهل الجبال في إطلاق ألقاب ومصطلحات وكنى على كل شيء؛ يلقبون أفراد قبيلتهم، ويسمّون مواشيهم وأراضيهم وأوديتهم وجبالهم والمساريب والأزقة والطرقات، ويستخدمون مصطلحات وأوصافاً مرتبطة بأحداث وأمور يتعارفون عليها، يجهل معظمَها الأجيالُ التي تأتي بعدهم.
هل أنا الوحيد الذي يرى أن “شايل الهم” لقب فريد من نوعه؟ “شايل الهم” هو أغنية بحد ذاته، يا ترى ماذا كان يشدو به؟ وهل كان من كلماته أم من كلمات غيره؟ هل حمل جدي ذلك اللقب بسبب تميز صوته فقط، وما يوقعه من شجن في قلوب المستمعين؟ أم لأنه كان يحمل هموماً شخصية تئن منها الجبال؟ أتخيل أن من كان يسمع غناءه، يجد نفسه متسائلاً: أي هم يحمله هذا الرجل!
قصص القرى بطبيعتها تحمل المبالغات، وسحرها كائن في مبالغاتها، وما تكتنفه من ألغاز وغموض. كم أتمنى لو أن ذاكرة والدتي ما زالت تتسع لقصص أخرى عن جدي الذي لا أعرف عنه شيئاً إلا قصة وفاته.
أحب قهوة أمي، وأحب قصصها عن القرية والجبال، وأحب طريقتها في السرد، وأحب دهشتها وبراءتها، وأحب شخصية “شايل الهم” وقصته الغامضة.