عشرة أيام في الأندلس... إن سمحت القدم الملكية

أكتب هذه الكلمات على متن طائرة الخطوط السعودية، متجهاً مع عائلتي الصغيرة إلى إسبانيا، في رحلة إجازة مدارس قصيرة (10 أيام)، وهي أول رحلة عائلية خارجية منذ رحلتنا العظيمة قبل 18 شهراً إلى نيوزلندا.

صحيح أنني رب البيت، والوالد القائد، ولكن لا أكاد أعلم أي شيء عن تفاصيل الرحلة، فمسؤولية الاختيار والتخطيط والتنسيق والحجز والتفاصيل عند رغد، فهي من اقترح هذه الوجهة قبل 4 شهور، وبعدما أخذت مباركتي، طلبت منّي بيانات بطاقة الماستركارد، ومنذ ذلك الحين، دوري هو استقبال صاروخ سكود SMS بتفاصيل حجوز العمليات المالية ذات العلاقة بالرحلة.

الذي فهمته من ابنتي هو أننا سنتنقل في إقامتنا بين مناطق الجنوب الأندلسي، وهذا الوضع سيتطلب المشي الطويل، وهذا شيء جميل ومقبول ومطلوب، لولا تجدد إصابتي السبت الماضي بنوبة التهاب النقرس في قدمي اليمنى، مما جعل من الصعب التفريق بين قدمي وحبة بطاطس كبيرة.

وعلاقتي مع النقرس علاقة وراثية قديمة، مثل والدي رحمة الله عليه، حيث أصبت به مبكراً، في الصف الأول ثانوي، ليس لأنني كنت أكثر من أكل اللحوم، ولكن موضوع وراثي كما يبدو. وقد تعودت أن تزورني هذه الهجمة الشرسة مرة كل عام، وفي كل مرة أعمل نفس الإجراءات الطبية والحمائية، وأترك الوقت يمضي حتى تنتهي زيارتها غير الميمونة، التي تستمر في العادة بين يومين وعشرة.

ويسمّون النقرس من باب التدليع “مرض الملوك” و “مرض العظماء”، لأن الأثرياء والملوك هم من كان يقوى على شراء اللحوم والإكثار منها. والحقيقة أن شكلي وأنا أمشي باعوجاج وهيئة مضحكة، أبعد ما يكون عن مظهر العظماء والملوك.

ونظراً لحساسية توافق توقيت النقرس مع الرحلة، تعاملت مع هذه النوبة بجدية منذ تشريفها، مؤملاً أن تغادرني قبل الرحلة، وهو ما لم يحصل، وقد عانيت في مشي المطار حتى وصلنا إلى البوابة، ولله الحمد من قبل وبعد.

وقد رأيت القلق في عيني رغد منذ السبت، حيث قالت لي بصراحة، وبنبرة تمزج بين التعاطف والتهديد: “سلامات والله أبوي، وما تشوف شرّ، ولكن زبّط وضعك، وشوف لك حل، ورانا رحلة وسفر ومشي طويل”. وعند عودتي للمنزل كل يوم خلال الأيام الماضية، كانت تأتي لتحيتي وتقبيل يدي، ثم تختطف النظر إلى قدمي للإطمئنان، سائلةً عن الوضع.

والرحلة من جدة إلى مدريد ست ساعات، وقد جهّزت نفسي بتنزيل مجموعة حلقات يوتيوب متنوعة حتى أشاهدها في الجو. ولكن للأسف يبدو هناك مشكلة في متصفح Comet مع تجربة Youtube Downloads، حيث لم يعمل أي فيديو بحجة عدم وجود إنترنت!

ولذلك هذا أنا أشغل نفسي بكتابة هذه التدوينة، لقطع الملل، فكل الركّاب نائمون، والأنوار مطفئة، وأنا الصاحي الوحيد، بسبب نبضات النقرس في قدمي، أحاول إشغال نفسي بأي شيء عنه.

سأحاول شراء عكاز من صيدلية فور وصولنا واستخدامه، أمامنا كثير من المشي، ولا أرغب في أن تخرب إجازتنا العائلية لأنني عظيم وملك ذو ساق متنقرسه.

أخيراً، صناعة التجارب والذكريات العائلية مع الأبناء تستحق كل شيء، فذاكرة الأبناء تحتفظ بهذا النوع من الذكريات الجميلة على نحو خاص، وأنا على الرغم من وفاة والدي مبكراً، وأنا في المتوسطة، إلا أنني أكاد أتذكر تفاصيل كل رحلة كانت معه، وكل لحظة مرح، وكل تجربة جميلة.