كن آخر من يعلم: عزلتك عن الأخبار ستكون أحد أجمل قراراتك!

استيقظ رجل الأعمال الأمريكي تد تيرنر من النوم يوماً، وقرر أن العالم ينقصه قناة فضائية تبث الأخبار 24 ساعة طوال اليوم، فأطلق قناة CNN. وبسببه حلّت على العالم لعنة كبرى نعاني منها حتى اليوم.

لا أظن النفس البشرية الطبيعية مصممة لكي تستقبل الأخبار بمثل هذه الكثافة والسرعة. منذ أن هبط أبانا آدم إلى الأرض، لم يكن بمقدرة الإنسان معرفة أخبار وأحداث ما يحصل خارج محيطه، إلّا بعد حصولها بمدة. بدأ الاختراق مع اختراع المذياع ثم التلفزيون، ولكن الأخبار في هذه الوسائل كانت تحتل أوقات زمنية محددة من اليوم، وليست على مدار الساعة.

أطلق تيرنر قناته اللعينة، وبدأ من بعده عصر القنوات الإخبارية التجارية المتخصصة، التي سرعان ما وجدت أنه يجب عليها ملء جدول بثها اليومي بشيء ما، لأن مجرد إعادة سرد الأخبار كما هي كل ساعة لن تجذب المشاهدين والمعلنين. وحتى تجذبهم، فعليها أن تبث محتوى يلفت انتباههم، ويداعب شعورهم، فظهر لنا أنواعاً جديدة وغريبة من البشر بأوصاف وظيفية مبتكرة؛ محللين ومعلقين وخبراء ومتخصصين، يسردون آراء وانطباعات وتحليلات شخصية، بموثوقية عالية، وكأنها حقائق مطلقة.

منطقتنا -من تعاسة حظنا- لا تنقصها الأحداث والتناقضات والمشكلات والحروب، وهذه الأمور هي الوقود الذي يغذي محتوى هذه القنوات، وتبني عليها محتوى يأسر المشاهدين. قنوات وإذاعات لا حصر لها، تتقاتل على جذب المشاهد والتأثير فيه بحسب سياسات مالكيها ومديريها والدول التي تبث منها.

بعكس أجيال البشرية المتتالية منذ فجر هذا الكوكب، الذين عاشوا حياتهم لا يكادون يعرفون ما يحصل خارج قراهم الصغيرة، ولا يتأثرون إلا بما يحصل بينهم من مشكلات، أُغرِقنا نحن في متابعة ومشاهدة أحداث العالم لحظياً عبر القنوات الإخبارية. ورغم أنني لم أطّلع أو أبحث عن دراسات حول تأثير مشاهدة القنوات الإخبارية على المشاهد العربي، إلا أنني أجزم أنها من أعظم أسباب أمراض الاكتئاب والتوتر والقلق الذي يمكن أن يصيب الناس. ماذا تتوقع أن ينتج من تعريض عقلك وقلبك وحواسك إلى ما تبثه هذه القنوات؟ لن ينتج من ذلك شخصاً متفائلاً، محباً للحياة، ومقدماً عليها.

ثم فلننظر إلى عالم الإنترنت، هذا الفضاء الرقمي الساحر، الذي نظرنا إليه وتعاملنا معه عند بداياته بتفاؤل ساذج وفظيع، كنا نتوقع أن ثورة التواصل المباشر بين الناس التي أتى بها، ستكون ثورة عظيمة تحرر الخبر والمعلومة، وبسببها ستنتشر المعرفة ويرتفع الوعي، وستظهر الحقيقة التي ستعجل بإحلال السلام بين البشر. في بدايات الشبكات الاجتماعية، ظهر مصطلح “صحافة المواطن”، الذي روجت له بعض القنوات والمؤسسات الإعلامية، من باب أن يقولوا للجيل الشاب “نحن معكم، قريبون منكم، ونفهمكم”، وفي النهاية ظهر أن الترويج له كمصطلح كان وسيلة لاستكشاف بعض الموهوبين واحتوائهم، ثم ضم بعضهم لمؤسساتهم العتيقة، ليكونوا بيادق أخرى تؤدي ما يُطلب منها.

عندما يحصل حدث مهم أرى أنه يستحق الإطلاع عليه، تبدأ رحلتي البائسة لمعرفة ما يحدث بالتجول بين قنوات إخبارية أكبر من أن أتجاهلها، فأجدها قنوات مسيّسة من أعلى رأسها لأخمص قدميها، أدوات ضغط سياسية بيد مموليها، أشعر بمجرّد تفوه محلليها أن ليس لديهم ذمم، لا يخافون الله، كذابين وأفّاقين لا تأتمنهم على شيء.

أترك هذه القنوات متجهاً إلى مواقع إخبارية عربية تعيسة، فأجد أغلبها تقتات على وكالات الأنباء العالمية، وعلى إعادة صياغة ما تسرقه من القنوات الإخبارية، لا تكاد تجد راحلة بين مئة إبل فيها. لا تعلم هل تضحك من تصميم مواقعها التعيسة، أم من أسلوب الكتابة والتحرير البدائي، أم من الكذب والتدليس والعناوين الشعبوية.

أتركها وأتركهم لرؤية ما يقوله ويتناقله الناس في تويتر/إكس، باحثاً عن صحافة المواطن كما أسموها، فلا أجد إلا أنهار من الغثاء والاستفراغ الجماعي. عالم من الجنون العربي والغربي المستعير والمستمر منذ سنوات طويلة. كل حساب إخباري أو شخص مشهور ينقل الأخبار بطريقة شعبوية مقززة تتطابق مع هوى متابعيه وأجندته. حسابات إخبارية لا حصر لها، لا يكاد يعرف أحد من ورائها، تتابعها وتتفاعل معها الجموع مثل الخرفان، لا يعلمون أن من يدير معظم هذه الحسابات، ويمولها ويضبط خطها هي أحزاب ومافيات ومنظمات وأجهزة استخبارات وحكومات. ليس عندي أدنى ذرة شك أن كل استخبارات دول العالم لديها حسابات إخبارية في تويتر، وفي فضاء تويتر العربي بالذات، لأنه من الجنون ألا يكون لديهم. هل يتركون هذه الجموع يقودها خصومهم من أجهزة استخبارات ودول أخرى ويبقون متفرجين؟

أهرب من ذلك كله، فلا أشاهد الفضائيات الإخبارية، ولا أزور المواقع الإخبارية، ولا أتابع الحسابات الإخبارية في تويتر وغيرها. الخيار الوحيد الذي وجدته يحقق لي بعض ما أبحث عنه، وهو فهم بعض ما يحصل في هذا العالم والمنطقة، هو قراءة الكتب التاريخية، ومتابعة قنوات يوتيوب شخصية قليلة العدد، فيها مقاطع تحليلية مطولة. يبدو لي أن أصحابها ذو مصداقية مقبولة، أحكم عليهم من طريقة طرحهم وتفكيرهم وتناولهم المطول للموضوعات في مقاطعهم.

عالم الأخبار هو عالم موبوء ومستنقع للغثاء والهراء، ولعمرك أنه من الجيّد أن تكون آخر من يعلم ما يحدث في العالم اليوم.