عن الميلانخولي العامل وحكمة الأقدر: كيف يختصر الإيمان علينا مراحل الحزن الخمسة
اكتشفت قبل فترة قناة يوتيوب بديعة، تحمل اسم الميلانخولي العامل The Functional Melancholic، صاحبها أربعيني سوداوي كئيب، ذو حس ساخر فاخر جداً تجاه الحياة، يناقش تناقضات الحياة المادية الغربية، ويكشف عيوبها بصراحة مطلقة.
في حلقته الأخيرة بعنوان “لماذا التخلي هو السبيل الوحيد الذي يجعلك تستمر تعيش بعقل”، يتعرّض إلى نموذج (مراحل الحزن الخمسة)، ويقول إنَّه وصل إلى أنه لا حل تجاه فهم المصائب والأقدار والعيش بعقل مستقر، إلّا التسليم.
يُعد نموذج (مراحل الحزن الخمسة) من أشهر النماذج في علم النفس، ويُستخدم من قبل المعالجين النفسيين والأخصائيين، لمساعدة الأفراد في فهم مشاعرهم بعد الصدمات والفقدان. تتدرج مراحل النموذج من الإنكار، إلى الغضب، ثم المساومة، والاكتئاب، وأخيراً التقبّل والتسليم. مشوار طويل من المعاناة النفسية، يمر بها المرء، حتى يصل إلى الرضا والقبول والتسليم.
نحن المسلمون أُعطِينا الترياق سلفاً، وأغلبنا في مرحلة مبكرة من حياته؛ الإيمان بالقضاء والقدر، والتسليم، والرضا، والامتنان، كلها قيم ومعاني حقيقية غُرِسَت فينا، وعُلِّمنا استخدامها في كل الأحوال، عند حصول الأمور الجيدة، ولا سيما عند المصائب ونوائب الدهر.
عند وفاة عزيز، أو خسارة كبيرة أو حصول مصيبة، أول ما تنطق به ألسنتنا هو “لا حول، ولا قوة إلا بالله”، نحمد الله على قضائه وقدره، ونكرر عبارات المستسلم للقدر، والمتقبّل له فور حدوثه.
صحيح أننا لا نتساوى من حيث الصلابة النفسية والإيمانية، ولا نعيشها فردياً في المستوى نفسه طوال الوقت وتجاه كل حدث، ولكن في مجمل أوضاعنا وقت حدوث مصيبة، يبادر أغلبنا التسليم والقبول والامتنان اللفظي على الأقل، ينطق المرء بتلك العبارات مؤمناً ومحاولاً وطامعاً في استنزال اللطف الربّاني والطمأنينة، لحظات مواجهة المصيبة.
هذا التسليم والاستسلام لا يعني انتفاء أحاسيس الحزن والفقد، بل الأصل والمتوقع هو وجودها، واستمرارها لمدة من الزمن تختلف بحسب حساسية الحدث، ولكن الذي يفرق بيننا وبين الآخرين، هو طريقة نظرتنا وتفسيرنا الفوري للأسباب العميقة، التي يمكن أن تكون وراء ذلك الحدث الجلل.
فالموضوع محسوم مبكراً لدينا، نؤمن فوراً أن ما حدث هو قدر مكتوب، وخلفه حكمة ربّانية، ليس بالضرورة أن نفهمها، يتلو ذلك استشعار ضعفنا، نحزن ولا نعترض، نشعر بالفقد ولا نسائل الخالق ونشكك في حكمته، نتوجّع ولا نسخط.
تبدأ المشكلة عندما يصرّ المرء على إيجاد تفسير مقنع لكل حدث جلل يحصل له.
حتى تستمر الحياة على نحو طبيعي، نتقبل أنه لا يجب على رئيس الشركة تجاه موظفيه تفسير أسباب كل قرار يتخذه، ونفس الشيء مع الأب تجاه أبنائه، والحاكم تجاه مواطنيه، ولكننا نصر على إيجاد فهم وتفسير لِحِكم وأقدار ربانية لا نفهمها، وكأننا نتجرأ نحن العبيد على مساءلة الخالق عز وجل، لتقديم تفسير مقنع لقدر حدث ما، حتى نفهمه ونتجاوزه. فما فائدة “التسليم” والإسلام إذا كانت هذه مواقفنا؟
إن أُفهِمنا الحكمة خلف حدث ما، فنحن راضون وممتنون ومتقبلون، وإن لم نفهمها، فموقفنا لا يتغير، فالخالق عز وجل لا يدين لنا بتفسير أقداره، وموقفنا تجاهه هو موقف العبد أمام سيّده، سمعاً وطاعة، مسلّمين ومستسلمين لحكمته.
وهذا ما أظنه مفقود لدى صديقي الميلانخولي العامل وغيره في الغرب، فمن الصعب أن تمضي حياة غير المؤمن قدماً من دون إيجاد تفسير مقنع لكل حدث جلل، ولذلك فالحالة الافتراضية عندهم ربما هي التدرج في المرور بالمراحل الخمسة، حتى اليأس والاستسلام.
ربما نبدو ضعفاء مستسلمين تجاه فهم الأقدار، وتلك حقيقة، فنحن كذلك فعلاً. نحن وهم لا نفهم ربما الحكمة خلف حدوث مصيبة ما، ولكننا نؤمن بحكمة الله وقدره، وأن كل أمره خير، فنسلّم ونستسلم، ويتملّكنا الرضا والحمد، أما هم فيواصلون البحث وإيجاد تفسير ما، وهذه رحلة نفسية مضنية جداً.
إذن، نحاول نحن أن نبدأ من الآخر، من المرحلة الخامسة من مراحل نموذج كيوبلر روس، وهي القبول والتسليم. بعضنا يخرج من المرحلة الخامسة إلى حياته، وبعضنا يخرج منها إلى التقلّب بين مراحل أخرى مثل الاكتئاب أو الإنكار، يتوه لفترة، ثم تتنزل عليه اللطائف الربانية والطمأنينة، فيعود إلى القبول والتسليم بالقدر، ويواصل حياته.
أؤمن أن تشرّب المرء لهذه المفاهيم، واستذكارها في أوقات السلام والرخاء والسعادة، ستجعله ربما يستحضرها، ويستخدمها لحظات مواجهة المصائب ونوائب الدهر، نسأل الله لنا ولكم اللطف، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.