اللطف في التفاصيل، هذا العالم لا ينقصه مزيداً من الأوغاد بكل تأكيد
كان مقهى الحيّ يعجّ بالزبائن، على غير عادته في الصباح الذي أزوره عادةً. توجهت إلى طاولة منزوية يجلس إليها شخصان في عمري تقريباً، وبقي فيها كرسيان فارغان. استأذنتهما، ملوّحاً بسماعاتي العازلة للصوت، واعداً إياهما بأنها ستحفظ خصوصية حديثهما. رحّبا بي بشرط واحد: أن أشاركهما ملخصاً للكتاب الذي أحمله.
قدمت ملخصاً موجزاً، ثم تطوّر الحديث إلى جلسة ممتعة استمرت ساعة ونصف، لتُتوّج بلحظاتٍ إنسانية دافئة، ونشأت علاقة جديدة مع جارين لطيفين.
اتصلت بي والدتي تعلمني بنفاد اللحم من الثلاجة. سارعت بالتواصل مع تاجر الأغنام المعتاد، الذي أخبرني أن التوصيل سيكون في اليوم التالي بسبب كثرة الطلبات. نبّهته أن الطلب إلى منزل والدتي، واعداً إياه بدعاء خاص منها إن تعاون. أوصل الطلب بعد ساعتين، مع رسالة واتساب تذكّرني بـ"دعاء الوالدة".
راسلني أحد عملاء “رسال” معبّراً عن استيائه من مشكلة في طلبه. وعدته بمتابعة الأمر، وبعد حله، أهديته بطاقة رصيد كهدية اعتذار عن التأخير. قابل الهدية بامتنان وسعادة واضحة.
اللطف سلوكٌ عميق الأثر مع القريب أو الغريب، مهما كان يبدو صغيراً. ابتسامة عابرة، صبرٌ على الآخرين، إنصاتٌ حقيقي، فتح الباب لمن خلفك، أو ترك مساحة لهم عند خروجهم من المصعد، كلها عادات صغيرة تُكتسب مع الوقت، تعكس ثقة الإنسان بنفسه وتصبح جزءاً من شخصيته.
مساحة تأثيرنا المباشر في هذا العالم تكمن في لحظات تواصلنا اليومي مع الناس. يمكننا أن نجعل هذه اللحظات باردة أو مزعجة، أو نجعلها أكثر دفئاً ولطفاً عبر كلمة طيبة، مبادرة إنسانية، أو خطوة إضافية لإرضاء الآخرين، خاصة إن لم تجمعنا بهم معرفة سابقة أو مصلحة.
العالم يميل إلى التوحش أكثر من أي وقت مضى. الفترة النسبية للسلام التي عاشها العالم منذ منتصف القرن الماضي—باستثناء منطقتنا العربية— قد تُسجّل في التاريخ كاستثناء عابر، قبل أن تعود البشرية إلى طبيعتها المتوحشة؛ شريعة الغاب.
من بيده أن يجعل العالم أكثر لطفاً، عبر تفاصيل حياته اليومية ونقاط احتكاكه بالبشر، فليفعل ذلك، عاقداً النية ومحتسباً الأجر.
هذا العالم لا ينقصه مزيداً من الأوغاد بكل تأكيد..