غواية البوهيمية: عن الهروب من تحمل الأمانة

أنهيت مؤخراً قراءة “محمد شكري - غواية العيش والكتابة"، مذكرات كتبها صديقه المقرب محمد التازي، تكشف عن جوانب مثيرة من حياة الكاتب “العالمي”، كما كان يحب شكري أن يصف نفسه. تفاصيل حياة لا يعرفها إلا صاحبها ومن كان مقرّباً منه، مثل صديقه هذا.

اشتهر شكري بعمله الصادم “الخبز الحافي”، الذي تُرجِم إلى 22 لغة، ووثّق فيه حياة الفقر الفاقع والشقاء، وهي الحياة التي عاشها منذ طفولته حتى أصبح مشهوراً.

يرسم كتاب التازي لوحة حيّة لحياة شكري البوهيمية، عاشها كفنان ومبدع بلا أي مسؤوليات، لا زواج ولا أطفال ولا وظيفة ولا ارتباطات عائلية أو اجتماعية، متنقلاً بين أحضان العشيقات والمومسات، بعضهن جذبتهن شهرته، وأخريات طمعاً في المال، الذي لم يعرفه إلّا بعدما طبقت شهرته الآفاق. كان يومه المعتاد يدور حول أمرين: الشراب والنساء. يستيقظ ليتناول كأسين، لينطلق بعدها قاضياً كل يومه متجولاً بين مقاهي وخمّارات طنجة، مدمناً للخمر الذي يخفف عنه وقع “عبثية الحياة”، كما كان يقول. يكتب بعض الوقت، يلتقي بالأصدقاء والكتّاب الآخرين، ويعود آخر الليل إلى مهجعه، ومعه صيدة اليوم.

كل مكاسب الشهرة والنجاحات الأدبية والمالية التي حققها شكري، بعد حياة الفقر والشقاء، لم تجلب إليه السعادة، كما يعترف بنفسه. أسلوب الحياة البوهيمية المطلقة التي تبناها حتى وفاته، لم تملأ روحه، ولم تمنحه حياة الاطمئنان.

في لحظات الضعف، وتحت وطأة ضغوط الحياة، قد يحلم الرجل بحياةٍ خالية من الأعباء؛ لا عائلة، لا وظيفة شاقة، ولا التزامات تجاه أحد. حياة بوهيمية، كتلك التي عاشها شكري وغيره من المشاهير، تبدو مغرية من بعيد. لكن هذا الخيال ليس إلا وهمًا، يمر به الرجل السويّ في لحظات اليأس، وسريعاً ما يتجاوزها، لأنه يدرك أن الحياة بلا مسؤوليات هي حياة تفتقر إلى المعنى والقيمة.

الحياة الخالية من المسؤوليات لا يمكن اعتبارها حياةً تستحق التقدير، فلا شيء فيها إلا صاحبها وهواه، ومن عاش لنفسه من دون أن يضيف شيئاً لمن حوله وللعالم، هو شخص ليس لديه ما يستحق التقدير عليه. وعندما تقرأ مذكرات واعترافات كهذه، تطّلع فيها على تفاصيل حياة بطل خالٍ من كل المسؤوليات، تجدها حياةً في غاية البؤس والقبح والعبثية بحسب اعتراف صاحبها، حياة لا تتمناها بحق لنفسك ولا لصديق.

لم يستطع شكري التصالح مع ماضيه القاسي، حيث الفقر والتهميش اللذان شكّلا طفولته. فتحولت أيامه إلى ساحة صراع داخلي، حيث حاول تسكين آلامه بالشراب والنساء وحياةٍ عبثية. هذا الصراع، الذي لم يجد له حلًا، جعله أسيرًا لإدمانٍ لم يمنحه سوى هروبٍ مؤقت من ماضيه، دون أن يمنحه سلامًا حقيقيًا.

لينجو المرء من أعباء ماضيه، عليه أن يتصالح معه، مهما كانت قسوته، حتى يتمكن من عيش حاضره وبناء مستقبله. فبدون هذا التصالح، قد يجد نفسه أسيراً، مدمناً على أمور كالشراب والحشيش وأصناف المخدرات والنساء، التي وإن نجحت ربما في تهدئته بعض الوقت، وأدخلته مؤقتاً في حالة سلام تنسيه الآلام، إلاّ أنها حياة مزرية لا سعادة فيها.

يتهرب البعض من المسؤوليات، مفضلين حياةً فردية تدور حول إرضاء الذات وتلبية الرغبات اللحظية. يتجنبون الزواج والأبناء خوفاً من الأعباء، ويهربون من العمل الجاد خوفًا من تحدياته، ويبتعدون عن العلاقات الاجتماعية خوفاً من الالتزام. وهذا على المدى البعيد هو أتعس أسلوب حياة ممكن يختاره المرء لنفسه، وإن كان يبدو مغرياً للبعض في الأوقات التي يواجهون فيها تحديات تحمّل المسؤوليات.

إن الالتزام بحياةٍ جادة، وإحاطتها بسياج من المسؤوليات والواجبات هو من كمال الرجولة. هو الطريق الأصعب من دون شك، ولكنه الطريق الذي يعطي الإنسان قيمة في هذه الحياة. الزلل والضعف جزءٌ من الطباع البشرية، ولكن المهم تجاوزها بالعودة إلى مسار الحياة السوية، بدلاً من الهروب إلى عبثيةٍ بوهيمية.

يرى بعض العلماء أن “الأمانة” التي عرضها الله على الجبال فرفضتها وحملها الإنسان هي “الشعور بالمسؤولية”. هناك فرق كبير بين من يستشعرها ويواجهها ويتحمّلها ويجتهد ويجاهد، فيصنع حياة غنية بالقيمة والمعنى، وبين الذي كل همّه التخطيط لأجل الهروب منها.