في لندن: ذكريات وانطباعات من زيارة أولى بعد 13 عامًا

قضيت الأسبوع الماضي في مدينة الضباب؛ لندن. كانت آخر زيارة لي هنا قبل 13 عاماً، مدة طويلة في عمر الإنسان، وقصيرة في عمر المدن.

كانت رحلتي نصفها عمل ونصفها الآخر استجمام؛ حيث غادر السياح ووصلت بعد الزحمة. لم تتغير عليّ كثيرًا: نفس المباني والطرقات، نفس الجو المثير المتقلب، ونفس كثافة المشاة في الشوارع.
لندن درّة تاج التاريخ البريطاني الاستعماري. لم أستطع إزاحة حقيقة أنّ مجدَها وجمالَها هما نتيجة امتصاص إمبراطوريتها البائدة خيرات البلدان التي احتلتها، عندما لم تكن الشمس تغيب عن مملكتها.

استخدمت طوال الأسبوع ثلاث وسائل للتنقل: مترو لندن في المقام الأول، ثم دراجات Lime الكهربائية، والمشي.
لم أجد صعوبة في استخدام المترو، وكان الجديد عليّ هو الدفع عبر الموبايل، على عكس البطاقات التي كنت أستخدمها في زيارتي الأخيرة قبل أكثر من عقد من الزمن.
بالنسبة للدراجة، فكانت الصعوبة تتبع الطرقات. كنت أضطر للتوقف بين حين وآخر للتأكد من أنني في الطريق الصحيح إلى هدفي. هذه التجربة أقنعتني بشراء دراجة كهربائية لاستخدامها في أبحر بإذن الله، حيث إن أغلب مشاويري في الحي لا تتطلب التنقل بالسيارة.
أما المشي، فكانت المتعة الأولى بحق، وهي أكثر ما أحسد عليه سكان المدن المصممة لتكون صديقة للمشاة.

بعيدًا عن العمل، تنقلت بين العديد من المقاهي الجميلة للقراءة المطولة. استمتعت بحضور مسرحية البؤساء (Les Misérables) لثلاث ساعات، وهي مسرحية رائعة انتهت بالتصفيق المستحق للممثلين. شاركت في التصفيق حتى وضع أحد الممثلين الكيباه (طاقية اليهود) على رأسه، فتوقفت؛ كان ذلك الشيء الوحيد المزعج في هذه التجربة الرائعة.
زرت كذلك متحف الكاتب الشهير تشارلز ديكنز، أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفيكتوري، وكان منزلاً صغيراً من ثلاثة أدوار كباقي منازل المدينة. ديكنز القائل “كل كائن بشري هو سر عميق ولغز معقد بالنسبة إلى سائر الناس. فما دخلت مدينة كبيرة تحت جنح الظلام، إلا خطر لي أن كل بيتٍ من هذه البيوت المظلمة المحتشدة، ينطوي على سرّه الخاص، وكل قلبٍ نابض في مئات الآلاف من الصدور التي هناك، هو سرٌ مغلق!”.
كنت أتمنى زيارة متحف فرويد، لكنه لا يفتح أبوابه سوى يوم الأربعاء، وكنت مرتبطًا ببعض الأعمال في ذلك اليوم.
أما قبر كارل ماركس، فوجدت أنه يبعد ساعة عن الفندق، ولم أجد المسوغ النفسي الكافي لأضرب له أكباد الإبل. فما تركه من إرث فكري، ونقله أتباعه إلى الواقع، جعل العالم أكثر ظلمًا وقهرًا مما تستحق البشرية.
بالطبع مررت بحديقة الهايدبارك، ما زالت خضراء، وما زالت ضخمة، وما زالت مكانًا رائعًا للمشي والاستجمام.

بالنسبة للطعام، كنت أكتفي بأقل الوجبات وأخفها، فلست من المعجبين بالمطاعم الفاخرة. أملك نظرة سلبية تجاه أسلوب الحياة الذي يعطي الطعام قيمة أكبر من كونه وسيلة مؤقتة لتغذية الجسم، وأصدقائي المقربون يعرفون أنني آخر من يدلي بدلوه عند اختيار المطاعم.

ماذا أيضًا؟ نعم، أنهيت كتابين رائعين: “الحافة المطلة على العالم” لأحمد الحقيل، وهو أجمل ما قرأت هذا العام، و “الهزيمة الغريبة: شهادة نُظّمت في عام 1940” للمؤرخ الفرنسي مارك بلوخ، كتبه عام 1940 كوثيقة عن تجربته كضابط في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، حين اجتاح الجيش الألماني فرنسا.

من الجميل الهروب أسبوعًا بين حين وآخر إلى مكانٍ ما، حيث يخلو المرء بنفسه ويقضي وقتًا للاستجمام يمارس فيه ما يحب. وفي حالتي، تتمثل المتعة في القراءة والمشي الطويل. ولندن مدينة جميلة للزيارة من حين لآخر كل بضعة أعوام، ولكنها جحيمٌ كمكان للعيش.