الآراء الشخصية في زمن التوحّش: على شواطئنا باقون..

في حياتنا اليومية، تتشكل لدينا آراء شخصية تجاه كل شيء: من تقييم جو اليوم، إلى جودة وجبة تذوقناها، أو فيلم شاهدناه، أو حتى علاقة عابرة، وصولاً إلى أحداث عالمية كبرى.

الإنسان الوحيد الذي لا رأي له هو الميت؛ فما دمنا أحياء، سنملك آراءً حول كل ما يحتك بنا أو يستوقفنا، سواء أردنا ذلك أم لا.

  • بعضها يبقى حبيس الذاكرة لحساسيته أو عدم أهميته.
  • وبعضها يُهمس به للعائلة أو الزملاء فقط.
  • وبعضها نرسلها لأصدقاء وأقارب عبر واتساب وتطبيقات مختلفة.
  • وبعضها نشاركها مع العالم نصاً أو بالفيديو عبر الشبكات الاجتماعية.

وتختلف حساسية هذه الآراء بحسب ما تلامسه، فرأينا حول كتاب أو فيلم معين، نادراً ما يثير عاصفة واسعة تؤدي إلى الشتائم أو التهديدات.
ورأينا حول مباراة مهمة ربما يكون أكثر حساسية، لأن جماهير الكرة مجانين، وكثير منهم تجري الشتائم على ألسنتهم أكثر من ذكر الله.
أما الآراء السياسية أو الدينية أو حول أحداث العالم، فهي مصدر الصداع الحقيقي، فالتعبير عنها عفوياً على إكس أو الشبكات قد يغير مجرى حياتنا حرفياً.

الآراء الشخصية هي حق إنساني طبيعي، ولكن تظهر المشكلات عندما ننسى أو نتناسى “كيف” و “أين” نعبّر عنها.

إذا تشكّل لدينا رأي ما، نعرف أنّه صادم، يعاكس التيّار، مثير للجدل، ويثير حفيظة شريحة واسعة من الناس، فمن الأفضل أن نتأنّى قليلاً، ونفكّر، قبل البوح به.
إذا كنّا نشعر أنّنا مستعدون لاستقبال سيل الردود الحادة واستيعابها والتفاعل معها، فلا بأس، فلنشارك بطرحنا، بشرط ألّا نتباكى ونستشعر المظلومية عندما نواجه ما سنواجهه، فالأصل في الناس في عصر تويتر والسوشل ميديا اليوم هو التوحّش والظلم والتعدّي والافتراء في الحوار.
أمّا إن كنّا لسنا مستعدين لكلّ ذلك، فالأفضل ربما نحتفظ بآرائنا لأنفسنا، أو نشاركها مع دائرة معارف صغيرة، ممن نعتقد أنهم من الثقات والعقلاء.

ونضج المرء يُقاس بما يمكن استشفافه من طريقة صياغته لآرائه وقناعاته، وأسلوبه في عرضها على من حوله والناس.
والحوار المفيد مع الناضجين فقط؛ أمّا غيرهم فالانفتاح عليهم ورطة، وأقصد الحوار مع من يغلب عليهم الاندفاع والتسرّع، لأنّك ستجد آراؤهم حادة وحاسمة وإقصائية، فيها نَفَس رسالي، يعرضونها بطريقة متشنّجة لا تترك مجالاً للحوار والأخذ والرد.
قد يكون رأيهم ملفتاً وصحيحاً، ولكن اللغة المتشنجة تفسد كل شيء، وتثني عن التفاعل.
كما أنّ كثيراً منهم يعوّض نقص قوة الفكرة والطرح، بالسخرية الجارحة والشتائم للمخالفين.
وتلك حيلة تحيّد الوقور، وتمنعه من التفاعل، وإثبات ضعف رأيهم، لأنّه لا يريد أن تلحقه الشتائم، والعاقل يعلم أنّه سيخسر في أي حوار يرتكز على الشتائم، وهو ذو نفس عزيزة عليه، لا يحبذّ تعريضها لأماكن تُشتم فيها، وتُهان، ويعجز عن الرد لأنّه ضعيف في ثقافة السب والشتائم.

ومشاركة المرء رأي معّين مع الناس في تويتر والشبكات الاجتماعية، يكون دافعه:

  • مجرّد سوالف وتواصل بريء مع الناس.
  • أو التفكير بصوتٍ عالٍ معهم، ومعرفة إذا هناك من يشاركه الرأي حول موضوع معين.
  • أو رغبة في التأثير الحقيقي في الناس، لتحقيق أهداف شخصية أو حزبية أو تجارية أو دينية أو سياسية.

وإذا كان دافع الشخص من الانخراط في حوارات الشبكات الاجتماعية هو التأثير في الناس، وتحقيق المكاسب، فعليه أن يكون ذو صدر وسيع، ويتقبّل كل أنواع الردود والحوارات مهما تدنّت، ويتفاعل معها، لأنّه لا يمكن كسب الجمهور والتأثير فيه من دون تحمّل أجواء تلك الشبكات والمنصات المسمومة.

أمّا أنا وجيلي ممّن عايشوا مراحل الحوار الرقمي بدايةً من المنتديات في منتصف التسعينيات، ثم المدونات، وبدايات الشبكات الاجتماعية والسوشل ميديا، فأغلبنا إما تقاعد منها طوعاً، أو قسراً، أو انتقل إلى رحمة الله.
وقد ترافق ظهور منصات الحوار الرقمية تلك مع عنفوان مرحلة الشباب، فكان لدينا الوقت والحماس والرغبة الحقيقية في التأثير.
أما وقد انشغلنا بالحياة والعائلة ولقمة العيش، فلا أظن بقي على قائمة اهتمامات أغلبنا حالياً، العودة لعيش تلك الأجواء مجدداً، خاصةً مع جيل جديد في عمر أبنائنا.

وقد حاولت حصر الحالات التي أرى أنني في هذا العمر مستعد للدخول في حوار حولها من دون أدنى تردد، فلم أجدها قد تجاوزت أصابع اليد الواحدة:

  • في حال وجدت أمامي شخص لاصقاً فوهة مسدس بصدغه، ناوياً الانتحار، سأحاول محاورته لعل وعسى أقنعه بألّا يقتل نفسه.
  • في حال استوقفني في الشارع كافر يسألني عن الإسلام، سأتحدث معه لعله يدخل الإسلام وأكسب أجره.

ما عدا ذلك، فالموضوع يحتاج وزن وتمّهل وتفكير، لدراسة هل يستحق الموضوع أن يدخل الواحد في حوار جاد حوله أم لا، فأنا من جيل قد استهلك كل الطاقة المخصصة لخوض الحوارات والنقاشات الحادة والهادئة على حدٍ سواء، وما بقي لديه من طاقة فهو مخصص لحياته وعمله وعائلته ومزاجه.

أنا من شريحة وصلت بعد مشوار طويل إلى قناعات شخصية محددة، بعضها راسخة وواضحة وضوح الشمس عندنا، وبعضها نرتاح لها، ولكن لا نحسم بها.
بعض هذه القناعات موروث مُعاد اكتشافه، وبعضها من القراءة والتأمل ومخالطة الناس، وبعضها من نقاشات رقمية سابقة.
والنوع الأخير من هذه القناعات لم نصل إليه وسط أجواء النقاشات الرقمية الساخنة، ولا فور انتهائها، ولكن بعد سنوات من توقف حفلة الحوار ومساحاته وانغلاق فضائه، حين اختلى المرء بنفسه، فخلص لما وصل إليه من قناعات في حالة هدوء ما بعد العواصف.

وعندما تتصالح مع ما وصلت إليه من قناعات، تبدأ تستشعر حياةً أكثر سلاماً وهدوءاً وثقةً وتصالحاً، كأنّك وصلت للأجوبة المريحة لرؤيتك حول كل هذا؛ وأقصد به الخالق والخلق والكون والحياة والوطن والمجتمع والإنسان وذاتك.

ولا ترغب في مغادرة هذا الشاطئ والمكان الذي وصلت إليه، فتجد نفسك تنسحب أمام أي حوار ربما يُفتح بالقرب منها، لا ترغب في أن تتحدث عمّا وصلت إليه، ولا أن تخضع قناعاتك للنقاش، ولا أن تبشّر بها، أو تقنع بها أحداً، فضلاً عن أن تدافع عنها أمام من تراه يشكك بها.

والسبب في ذلك ليس لأنّنا نخشى أن تتعرض قناعاتنا للاهتزاز فندخل في دوّامة جديدة، بل نؤمن أننا تجاوزنا ذلك، فما رسخ في القلب قد رسخ، والله المثبّت، ولكننا إمّا أن نكون منهكين و “ما فينا حيل”، أو لأنّنا نفضل عيش الحياة والاستمتاع بها، بدلاً من تبديد طاقتنا في إقناع الناس بما يجب عليهم أن يتوصلوا له بأنفسهم، مثلما حاولنا نحن أن نفعل.