كن آخر من يطفئ الأنوار، ويغلق الأبواب من ورائه؛ عن سؤال الترميم والإصلاح أم البدايات الجديدة!

عندما تتعقد الأمور، وتجد نفسك في وضع غير مريح، وتشعر أنك في معمعة، يأتي هذا السؤال على البال كل مرة: هل إصلاح الأمور وترميمها أفضل؟ أم البداية من جديد؟

هل من الأفضل إصلاح هذه العلاقة، التي أصبحت ثقيلةً على النفس، أم من الأفضل تركها تموت، تغادر وتكتفي بغيرها، وربما تخوض تجرِبة جديدة لاحقاً؟
هل من الأفضل إصلاح هذا المشروع المتعثر، وبذل جهد ووقت في رسم خطة جديدة وتنفيذها، أم الأفضل إنهائه، والبدء من جديد في مشروع آخر؟
هل من الأفضل إصلاح وضعك في العمل، ومحاولة إزالة سوء التفاهم مع الزملاء والمديرون، وبذل جهد يظهر رغبتك الحقيقية في الاستمرار، أم الأفضل هو الانتقال إلى مكان عمل آخر، والبدء فيه من جديد؟

القاعدة الافتراضية التي يجب أن ينطلق منها المرء، هي أن الإصلاح والترميم والبقاء دائماً أفضل، وأن الاستثمار في ذلك أقل مخاطرةً، وأسرع في النتائج، من البدايات الجديدة المجهولة.

البدايات الجديدة مغرية دائماً؛ صفحة بيضاء، نتخيل خلوها من تراكمات سابقة، فرصة جديدة لبناء شيء جميل من دون أحمال تثقل كواهلنا. يزداد جمال خيالنا حول البدايات الجديدة كلما كان الواقع الذي نمر فيه معقداً، ضاغطاً على أعصابنا، “العشب دومًا أخضر في الضفة الأخرى”، كما يقول المثل الغربي.

الحقيقة هي أن معظم البدايات الجديدة ليست إلّا محاولات هروب من واقع لا نرغب في مواجهته. الهروب هو القرار الأسهل والأسرع، بعكس الإصلاح والترميم والبقاء. ولكن إذا عوّد المرء نفسه على الهروب من عواصف التجارب والتحديات، متى سيتعلّم وينضج ويضيف مهارات وقدرات جديدة إلى شخصيته؟ الهروب لن يكسب المرء أي مهارة إلّا مهارة الهروب، ومن يهرب دائماً يصبح معروفاً بذلك؛ يصبح شخصاً صعب الاعتماد عليه والوثوق به.

ثم من قال إنَّ التجارب الجديدة لن تكتنفها تحديات مشابهة، وربما أعظم مما نمر به الآن؟ وهل سنهرب منها كذلك حينما تتعقد الأمور؟ البدايات الجديدة منطقية في حالة واحدة؛ عندما يستحيل إصلاح الواقع الذي نمر به وترميمه. ولكن كيف نعرف أن واقعنا مستحيل الإصلاح، إن لم نجرّب ترميمه وإصلاحه، مرّة تلو أخرى، وبكل جديّة؟

بعكس ما يتخيل المرء في أوقات الضيق، فإنّ أخطار البدايات الجديدة أعلى، وأبعد عن أن تكون مضمونة النجاح. الشيء نفسه ربما مع قرار البقاء والإصلاح والترميم والمواصلة، ليس مضمون النتائج، ولكنه أقل مخاطرة، فإذا نجحنا في تحقيق المراد بعد محاولات فهذا رائع، وإذا فشلنا، واضطررنا للمغادرة، فعلى الأقل اكتسبنا مهارات جديدة نضيفها إلى مخزون أسلحتنا، ونحن نواجه تحديات الحياة القادمة، وهي تحديات لن تنتهي.

ثم إنَّ البدايات الجديدة ليست بالضرورة مصدراً للسعادة كما نتخيل. السيارة الجديدة التي نفكر بشرائها، السكن الجديد الذي نتخيل انتقالنا إليه، المدينة الجديدة التي نحلم بالسكن فيها، العمل الجديد الذي نتخيل أنفسنا فيه، الشريك الجديد الذي نحلم بالاقتران به، كلها أمور تحمل بريق البدايات، ولكننا ننسى أننا سنستصحب أنفسنا ومزاجنا وتفكيرنا وقلقنا وعقدنا النفسية معنا في هذه التجارب الجديدة. وإن لم تكن أنفسنا وأرواحنا مستقرة وناضجة، فلن نستشعر السعادة في أي من هذه التجارب الجديدة، ربما نتذوق في بداياتها بعض المتعة، ثم فإذا بها تفقد بريقها، لأننا ببساطة لا يمكننا الهروب من أنفسنا.

النمو الشخصي، النضج، الثبات النفسي، القيادة، كلّها أمور ومهارات لا يمكننا تملّكها دون أن نخوض تجارِب عاصفة للأسف. لا الكتب ولا الدورات ولا مدربي الحياة، ولا غير ذلك من وسائل، يمكنها إكسابنا هذه المهارات. هل يمكننا تعلّم ممارسة كرة القدم من مشاهدة المباريات فقط؟ ماذا عن تعلّم الكتابة؟ من قراءة الكتب فقط وبدون ممارسة؟ وهل يمكننا تعلّم الصيد من مشاهدة برامج الصيد فقط؟

التحمّل والصبر والالتزام وسعة الصدر هي قيم رجولية أساسية، تغني شخصية المرء، ويتمنّاها أي إنسان ذو شخصية سويّة. ولكن للأسف لا يمكننا شراؤها من السوق، أو أن نتوقع أن تنزل علينا من السماء هكذا، بل هي صفات تتلبس شخصياتنا بعد خوضنا تجارِب وتحديّات جادة.

هناك شيء جيّد يمكننا عمله باستمرار حتى لا نجد أنفسنا في مواقف مثل هذه، محتارين بين الإصلاح والبقاء، أم المغادرة والبداية من جديد، وهي الترميم المستمر. مثلما نفعل مع المنزل أو السيارة، عندما تبدأ بعض الأعطاب الصغيرة في الظهور، فمن الأفضل معالجتها أولاً بأول، لأن إهمالها ربما يتسبب في تراكمها وظهور أعطال كبرى يصعب حلّها، وآنذاك يمرّ هذا السؤال الكريه بخاطرنا.

حياتنا ليست إِلَّا سلسلة من التجارب، نسدد ونقارب، نرمّم ونصلح، ولكننا دائماً نبقى، مهما كانت الصعوبات والتحديات التي تواجهنا، نصرّ على مواجهتها ونبقى. ليس لأننا لا نستطيع العيش من دون الآخرين، ولكن لأن الإصرار على الترميم والإصلاح والبقاء يقوّي شخصياتنا، والهروب لا يليق بنا.
دائماً ما أذكّر شركائي في الأوقات الصعبة، أنني سأكون آخر من يطفئ الأنوار، ويغلق الأبواب من ورائه؛ صامدون وننتظر منهم الصمود كذلك، نصبر عليهم، ونتوقع أن يصبروا علينا، لأننا نعلم يقيناً أن النجاح لا يأتي إلا بعد مواجهة عواصف التحديات والأخطار، وقصص النجاح لا يمكن أن يكتبها المرء بمفرده، أمّا الهروب وأحلام البدايات الجديدة فهي قرارات أنانية سهلة.

الترميم والإصلاح والبقاء هو الأساس، هو الخيار الافتراضي الذي يجب أن نلجأ إليه مرة تلو أخرى، حتى يفقد جدواه، فتصبح المغادرة حينها أمراً مبرراً، ووقتها لا يمكن تسمية مغادرتنا بالهروب، بل الانتقال إلى بداية جديدة، براحة ضمير، وسلام داخلي، وشعور بالتفاؤل المبرر، وستكون تجارِب جديدة ممتعة بحق.