شايفين الشاشة؟ عن السؤال الوجودي الذي يواجه البشرية

يمكن تقسيم أنواع الأسئلة الوجودية التي تواجه البشرية إلى قسمين؛ أسئلة ما قبل كورونا، وأسئلة ما بعدها.

وأحد أهم أسئلة القسم الثاني وأكثرها شيوعاً هو سؤال: “شايفين الشاشة؟”. وهو السؤال الذي يطرحه عشرات الملايين من البشر حول العالم كل يوم، بعدما ينقرون على زر مشاركة الشاشة في تطبيق اجتماعات الأونلاين الذي يستخدمونه.

كان هذا السؤال شبه معدوم قبل كورونا، التي غيّرت بيئة الأعمال على كوكب الأرض، فأصبحت اجتماعات الأونلاين جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لدرجة أنه أصبح خلو جدول الأعمال اليومية من عدة اجتماعات أونلاين يشعر الموظف بالارتباك، ويحس أن هناك خللاً ما، وتساوره الشكوك أنه أصبح في قائمة “المسحوب عليهم”.

واجتماعات الأونلاين أصبحت بحد ذاتها عملاً، أصبح الموظف يشعر أن حضوره إياها هو عمله، ومشاركته بالحديث والأسئلة هو عمله، ومشاركة الشاشة بعرض ما عنده هو نوع من العمل المتقدم.

يشعر الموظف قبل مشاركة شاشته بأهمية خاصة، ولذلك يحاول التأكد سلفاً إذا ما كان الجميع يشاهدونها. فتركيز الأنظار على شاشته هو تأكيد على أهميته في المنظمة. ومن فاته مشاهدة شاشته، فاته نصف عمره.

بعد طرح الموظف سؤاله الوجودي هذا، يبادر شخص أو أكثر من الحضور بالإجابة “نعم، شايفينها”. وهذه الإجابة العميقة تترك شعوراً بالأمان والثقة الكبيرة عند السائل، حتى ينطلق في طرح ما عنده.

أما عندما يجيبون بالنفي، فيُصاب بالحيرة والارتباك، لأنه ليس مهيئاً ألا يرى العالم شاشته، يساوره الشك بأن هذا الاجتماع سيكون منحوساً، ويبدأ بإلغاء المشاركة ثم إعادتها، وهكذا حتى يضيع الوقت.

وسرعة تفاعل الحضور بالإجابة على السؤال المصيري أعلاه تختلف بحسب نوع السائل. فإن كان مجرد موظف آخر، ففي الغالب يكون الجميع قد أقفل المايك قبل مداخلته، ويتكاسل الواحد فيهم أن يحرّك يده إلى الماوس، حتى ينقر على زر المايك فيرفع الميوت، ويجيب بالإجابة العبقرية. وإن كان السائل مديراً، فسيجد الحضور يتسابقون بالإجابة عليه، مع إنهاء إجاباتهم بـ “طال عمرك” أو شيء من هذا القبيل.

ومن يسمع ذلك السؤال الخالد، يتوقع أن السائل سيعرض حلاً لأحد مشكلات البشرية المزمنة، أو أن لديه إعلاناً سيغير وجه المنظمة للأبد. ولكن يظهر بعدها كالعادة، دائماً وأبداً، تطبيق شرائح بوربوينت أو قوقل سلايدز أو غيرها من تطبيقات الأعمال، أما المحتوى فلا نقول إلا الله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يجيرنا في مصيبتنا.

وكم كنت أتمنى أن يفكّر السائل -قبل طرحه سؤاله العميق- في الحضور، هل يسمح وضعهم بالتفاعل السريع معه؟

ألا يعلم أن هناك من الحضور من هو جالس على كرسي الحمام، لا يستطيع الرد عليه إما لانشغال يديه، أو خشيةً من ظهور صدى الصوت؟ وهناك من هو مشغول بتصفح تويتر أو إنستغرام أو غيرها من التطبيقات؟ وثالث يلعب بأنفه، ورابع في النادي الرياضي يحمل الأثقال، وخامس ربما “يجلد عميرة”؟

هل من اللائق أن يقطع عليهم ما هم منشغلين فيه، حتى يؤكدوا له رؤيتهم شاشته؟ وهل ما سيطرحه بعد ذلك يسوّغ سؤاله؟ لأننا كل مرة نجيب عليه بالإيجاب، ونتحمس، يقدم لنا محتوى هزيل، ويشارك بمداخلة تجعلنا نندم على رفع الميوت عن المايك والتفاعل معه.

عندما لاحظت هذه الظاهرة البشرية مبكراً، قررت ألا أتفاعل، ولا أجيب عن هذا السؤال مطلقاً مهما حصل، ومهما طال صمت الاجتماع، ذلك الصمت الذي يتنزل عندما ينتظر كل واحد أن يبادر شخص آخر بالإجابة. فهذا السؤال هو من نوع الأسئلة التي ليس عندي مشكلة في الذهاب إلى الانفرادي، بسبب عدم إجابتي عليها.

انقسمت البشرية بنظري إلى فسطاطين: الواثقون من أنفسهم، الذين يشاركون شاشاتهم من دون طرح هذا السؤال، وباقي العالم الذين يخيبون الظن.

أحاول أن أزرع الثقة مع كل فريق عمل يعمل معي، فأطلب منهم عدم طرح هذا السؤال مطلقاً، بل مشاركة الشاشة وقول ما لديهم باختصار. وإذا كان مستوى ثقة الموظف في نفسه في بداياته، أقترح عليه استخدام العبارة التالية عند بداية حديثه:

“الآن شاركت الشاشة، في حال عدم ظهورها عندكم خلال ثوانٍ أرجو إبلاغي”.

وينطلق في حديثه، تاركاً الكرة في ملعب الحضور بالتفاعل الاختياري في حال عدم ظهور الشاشة، وهي حالة تحصل مرة في كل مليون اجتماع أونلاين.

باستخدامه هذه العبارة، يترك الموظف الجميع فيما هم منشغلين فيه، لم يضطر أحد فيهم إلى التحرك وفك الميوت ليرد عليه، لم يزعجهم، كسبهم في صفه، عبّر عن ثقة عالية في نفسه، وفي وضع الإنترنت العالمي، وحفظ ما يكفي من الوقت ليستغله في طرح مشاركته.

استخدام العبارة المقترحة أعلاه هو حل مؤقت، حتى يقتنع الجميع أن الاجتماعات ليست عملاً، وأن البشرية كانت تعمل قبل كورونا واجتماعات الأونلاين بكفاءة أعلى من الآن، وأن كثرة الاجتماعات في المنظمة هو مؤشر على فشل إداري، يتحمله المديرون والمؤسسون.