عقل واحد يكفي: لا نحتاج إلى بناء نظام معرفي شخصي معقّد، بل إلى التقليل من المشتتات
سمعت أول مرّة عن منهجية العقل الثاني “Second Brain” قبل عدة أعوام، حدّثني عنها بحماس شخص انضم لدورة خاصة مع مؤسسها المعروف Tiago Forte.
وقع تياغو على اكتشاف تاريخي لم يسبقه إليه أحد، وهو أنّ العقل البشري -بحسب كلامه- لم يصمم لتخزين المعلومات، وإنما لمعالجتها. ولذلك، علينا ابتكار نظام معرفة رقمي شخصي (Personal Knowledge Management)، نوثّق فيه المعلومات المهمة التي تمر علينا على مدار اليوم، نكتب فيه الملاحظات، ونشبّكها مع بعض، فيصبح لدينا “عقل ثاني”. أمّا عقلنا البشري فنريحه من مهمة الحفظ، ونجعله يركّز على مراجعة وتحليل مدخلات النظام الرقمي الذي بنيناه، لإنتاج معرفة ما.
شاهدت مقاطع يوتيوب تشرح المنهجية، ثم قررت خوض تجرِبة بناء نظام معرفة شخصي و “عقل ثاني”، لحوالي أسبوعين كنت أسجّل كل الملاحظات والشذرات في نظام معرفة رقمي على حاسوبي الشخصي. كنت ألتقط هذه الملاحظات على مدار اليوم، استخرجها من مقال مر عليَّ، أو كتاب اقرأه، أو بودكاست أستمع إليه، أو يوتيوب أشاهده، أو حتى من حوار مع صديق. وفي نهاية كل يوم، أقوم بمراجعة الملاحظات، وأشبكّها مع بعض، وفي نهاية كل أسبوع أراجع المدخلات، وأكتب تعليقات وملاحظات عليها.
هدف منهجية “العقل الثاني” النهائي بحسب مؤسسها، هو أن تساعدني في إنتاج المعرفة سريعاً بأي شكل أراه؛ تدوينات شخصية أو عامة، بحث، كتاب، مقاطع سوشل ميديا، إلخ، لأنه أصبح لدي مخزوناً وشبكةً مترابطة من الملاحظات المهمة التي جمعتها مع الوقت، أعود إلى النظر فيها ثم إنتاج شيئاً ما.
كنت فخوراً ببناء شبكة الملاحظات، وهذا النظام الشخصي، أنظر إليها بإعجاب وحماس، ولكن لاحظت في النهاية أنني لم أنتج شيئاً، فقد ذهب الجهد كله في التوثيق والتشبيك والزبرقة، وليس في العمل على مخرج.
حالي أصبح مثل الذي يرغب في ممارسة الرياضة، فيشترك في النادي، ثم يقضي وقتاً طويلاً في اختيار الملابس والنظام الرياضي، وقراءة المقالات، ومشاهدة المقاطع عن التمارين والطعام، ودراسة كيف يرسّخ هذه العادة، وفي النهاية لا يذهب إلى النادي إلا مرات قليلة، قبل انتهاء الاشتراك.
بدلاً من أن أجعل عقلي يعيش في هدوء عند القراءة أو المشاهدة أو الحديث مع أحد، وجدت أنني أرغمه على البقاء متهيئاً، وكأنني في محاضرة دراسية، أحاول التقاط الملاحظات والأمور التي ربما يظهر لي أنها مهمة، أقوم بتدوينها جانباً، لأجل احتمالية الاستفادة منها يوماً ما! متى؟ ولماذا؟ لا أعلم، ولكن يوماً ما! هذا عمل إضافي فوق الحياة نفسها.
اعتمدت البشرية عبر التاريخ على نحو قطعي على الذاكرة في تخزين المعلومات، ثم على وسائل أخرى مساندة تصاعدت أهميتها مع الوقت مثل الكتب، حتى وصلنا للعصر الحالي، الذي أصبحنا نعتمد فيه على وجه شبه مطلق على الجوال والحاسوب في الحفظ، فضعفت ذاكرتنا.
العامل الآخر هو حجم المحتويات والمشتتات التي نتعرض لها طوال يومنا، ولا تقارن بعصور ما قبل الجوال الذكي، فلا تكاد تقرأ كتاباً أو تشاهد فيديو أو تسمع بودكاست أو تلعب رياضة، إلا ويخترق تركيزك أنواعاً مختلفة من المشتتات والتنبيهات.
هذه العوامل تجعلنا نفقد التركيز، مما يجعل مهمة الحفظ التلقائي شبه مستحيلة. وبدلاً من أن نقلل أو نمنع هذه المشتتات، لكي يركّز العقل، ومن ثَمَّ تسير عملية الحفظ والتخزين بسلاسة وتلقائية، نهرب إلى فكرة مثل بناء عقل ثاني، ونظام معرفي شخصي، فنعقد حياتنا أكثر.
يمر علينا في حياتنا اليومية كثير من الأمور المهمة، علينا أن نثق بذاكرتنا، ولكن علينا أن نساعدها عبر تقليل التشتت الذي نعرّض أنفسنا له، ستنتقي هي ما يستحق الاحتفاظ به في الذاكرة القصيرة أو الطويلة، من دون جهد مبالغ منا، وستظهره لنا عندما نرغب في استذكاره لأجل غرض ما.
من يرغب فعلاً في الإنتاج، عليه الجلوس والتخطيط والتركيز والعمل، عليه الانشغال بالتنفيذ، ثم التسويق له. وهذا ما فعله ثياغو، عندما جلس مع نفسه، وركّز وصمم هذا المنتج الوهمي، وباعه على عشرين ألفاً، مقابل ألف دولار للفرد.