عوالم الدهشة: كيف يُعيد الفضول نبض الحياة الأصيلة
يُقال إن أحد أعظم أسرار عيشك حياةً جميلة، يكمن في الحفاظ على لهيب الفضول والدهشة مشتعلاً.
عندما كنا صغارًا، كانت عقولنا شبه خالية من هموم الحياة وأثقالها، إذ لم نكتشف بعد سوى القليل، وكانت مواجهة التحديات مسؤولية أهالينا. هذا الفراغ البريء الذي سكن عقولنا حينها، سمح لكل شيء تقريبًا أن يوقظ فضولنا ويثير دهشتنا.
ثم كبرنا، وانتقلنا من مرحلة إلى أخرى، واكتشفنا أن كل مرحلة تحمل عوالم من الفضول والدهشة الخاصة بها، وكذلك عوالم من تحديات ومصاعب لم نعرفها من قبل. ومع التقدم في العمر، اتسعت مناطق صراعنا في هذه الحياة، وتوالت معاركنا، خسرنا بعضها وكسبنا أخرى، ومن يخض المعارك لا بد أن يترسخ في عقله ونفسه شيء من رواسبها، ترسخ بفعل الإرهاق والتعب الذي ينتزع منا الكثير.
يدفعنا هذا الاشتباك الجاد مع الحياة تدريجيًا إلى التخلي عن فضولنا؛ فنخشى أو نهرب من استكشاف تجارب وعلاقات جديدة، خوفًا من الأثقال الجديدة التي قد تتسلل إلى أرواحنا وتثقلها، بينما نحن نسعى للتخفيف. وبهذا، ينضب مصدر الدهشة، فنفقد ما يرطّب حياتنا ويحييها.
وهذه معضلة يجب أن نعالجها، فالحياة الخالية من الدهشة، حيث لا نلامس فيها ما يغذي لهيب فضولنا، ستكون حياة شخصية باردة وجامدة. ولا أقصد هنا تلك الحياة الوهمية التي نراها على إنستغرام وتيك توك ومنصات التواصل الاجتماعي، بل أقصد تلك الحياة البسيطة الأصيلة، الغنية بعادات شخصية ومناطق للدهشة والفضول، التي تحول أيامنا إلى حياة نابضة وحية.
الفضول الذي أقصده، هو ذلك الشعور المستمر الضاغط، الذي كأنّه يدفعني كي أستكشف ذلك الأمر الذي يلفت انتباهي منذ فترة. أمّا الدهشة، فهي ذلك الشعور الناتج عن استكشاف ذلك الأمر، وربما بداية بناء علاقة شخصية معه. وحياتنا قادرة على استيعاب جانبين أساسيين لتكون مستقيمة وحيوية: روتين يومي من عادات ومهام وارتباطات تمنحنا الاطمئنان والاستقرار، وأنشطة أخرى تولد الفضول وتُنتَج الدهشة من خلالها.
ومن تجربتي هناك عوالم محددة، إذا غُمِرتَ فيها وعشقتَها، ستُغدق عليك تجارب دهشة لا حدود لها؛ وأقصد هنا بالتحديد عوالم القراءة. فكل سيرة ذاتية مؤثرة وأصيلة ستجعلك تعيش مندهشًا لأيام، متأملًا في حياة صاحبها، وتبني معه علاقة إنسانية، ولو كان قد مات قبل قرون. وكل رواية ساحرة ستُمسك بك لأيام، تفكر في لحظات الهروب من العمل والعائلة لإكمالها. هكذا، تُعدّ القراءة البوابة الأسمى لإشباع الفضول وتذوق لذة الدهشة.
بالإضافة إلى القراءة، عُدتُ مؤخرًا إلى عوالم البرمجة، مدفوعاً بفضول تصاعد بعدما رأيت تأثير الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، مما حفّزني إلى شدّ أكمامي واسترجاع مهاراتي البرمجية القديمة التي غُمِرَتْ بالغبار، وغصت في عوالم أنظمة واتجاهات برمجية جديدة. وفي هذا السياق، قادني تجدّد الفضول إلى إعادة اكتشاف عالم أنظمة التشغيل، حيث التقى اهتمامي الجديد بصعود شعبية توزيعة Omarchy (بناءً على لينكس) مؤخرًا. وقد وجدتُ استخدامها ممتعًا للغاية، لكنني لم أقرر بعد ما إذا كنت سأتخلّى عن نظام الماك لصالحها.
الاستثمار الشخصي في هذه العادات والعوالم يهدف إلى تعزيز الحياة الشخصية؛ فهي فضاءات مساندة لحياتنا الأساسية – المتمحورة حول العائلة والعمل والمجتمع – وليست بديلًا عنها. تقدُّمُنا فيها واستمتاعُنا بها ينعكس إيجابًا على أيامنا، مساعدًا إيانا على الاستمرار والعطاء. أما خلو حياتنا اليومية منها، فيجعلها أكثر برودةً مما نستحق.
طالما يسعى الإنسان للحفاظ على فضوله، ويتلذّذ بالدهشة بعد كل تجربة جديدة يخوضها، يمكن القول إنه ما زال حيًّا حقًّا.